بقلم ريان الإدريسي
مع مرور السنوات ومنذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا بات مدى العطالة يتسع في بلادنا باتساع عدد خريجي الجامعات وبارتفاع نسبة الكثافة السكانية في الوقت يشكو فيه المغرب خصاصا مهولا في الأطر العلمية بالقطاعات العامة وشبه العامة والخاصة وضعفا في العديد من بنيات الاقتصاد. ومنذ ذلكم الحين أضحت معضلة عطالة حاملي الشهادات ذوي التكوين العلمي العالي ظاهرة تشد إليها أنظار الجميع من صحافة ورجال السياسة ومختلف هيآت المجتمع المدني بما هي ظاهرة مغرقة في الغرابة والشذوذ؛ فقد اعتبر التعليم العالي، ولعهد بعيد، بمثابة الضامن للحصول على عمل قار ولائق، وهو مايفسر الإقبال على التعليم العالي في الدول الصناعية وكذلك بالنسبة للدول النامية. فالتخرج وتحصيل الشهادة العليا هاجسان يسعى الشباب لتحقيقها أملا في مستقبل مشرق زاخر بالأماني والأحلام لأجل كسب لقمة العيش بما يتناسب ومستوى التكوين وطبيعة التخصص، ولأجل الانخراط في مؤسسات المجتمع المدني والبناء الفاعل للحضارة التي تمثل كل دولة، بالإضافة إلى تحقيق الذات التي نعيش جميعا من أجل الوصول بها إلى مراتب عالية ومكانة أفضل.. ويظل السؤال العريض الذي يطرح نفسه ههنا : كيف يقضي شبابنا زهرة أعمارهم في فترة الدراسة بجد وكفاح من أجل التخرج ليجدوا أنفسهم بعدها متسكعين في الطرقات العامة أو المقاهي بانتظار فرص العمل التي قد لا تأتي بعد أعوام يهيم خلالها الشاب على وجهه ويعيش حالات الفراغ المرير. فانتظار التعيين من أقسى فترات الحياة التي يمر به الأطر العليا. فقد ينتظرون أعواما دون أن يحظون بفرصة عمل تخرجهم من الضياع وتنقذهم من العطالة التي وجدوا أنفسهم بين براثنها .آخر المطاف
والناظر في جذور هذه الأزمة يجد أن عوامل عدة أسهمت في رسم معالمها. لكن أهمها على الإطلاق هو ارتهان البلاد للعديد من المؤسسات المالية الدولية، وما نهجته الحكومة في تلك الفترة من سياسة الخوصصة و بيع الممتلكات العمومية من خلال ما يعرف ببرنامج التقويم الهيكلي الذي حوًّل المغرب كدولة نامية تنتمي إلى دول العالم الثالث إلى بلد مستهلك غير منتج وإلى بلد ترسم مساره أيادي الرأسمالية المتوحشة، ما جعل المكتسبات الشعبية الاجتماعية في خبر كان. وبدلا من أن يخرج المغرب من الحصار المضروب عليه من طرف الدول الإمبريالية، ويبدأ بحركة تصنيعية تمكنه من استغلال خيراته الطبيعية من جهة، وتشغيل الأعداد الهائلة من جهة أخرى، استمر في التبعية المطلقة للدول الغربية القوية، الشيء الذي أضاع عليه فرص تنمية اقتصاده، واكتفى ببناء المنشآت الجميلة (المركبات السياحية) والتي كلفته أموالا طائلة دون أن تشغل العدد المطلوب من جحافل المعطلين، وما زال مستمرا في نفس السياسة. ومما يعمق جذور ازمة العطالة في المغرب ارتهانه للتقلبات المناخية والتساقطات المطرية التي تؤثر على نمو الاقتصاد الوطني. ويخشى أن تستمر هذه الظاهرة - إن لم تزدد استفحالا- باستمرار الأزمة الاقتصادية العالمية التي ظهرت منذ العام الماضي ويتوقع المراقبون أن تدوم حوالي العقد من الزمن
وهكذا صار العديد من هؤلاء الأطر ما أن يتخرجوا من الجامعات المغربية ويحصلوا على أعلى الشهادات حتى يقصدوا العاصمة كي « يشتغلوا» في إطار حركات وجمعيات منظمة تمارس ضغطها على الحكومة ومطالبة بإيجاد حلول لعطالتها، بل هو حل واحد ليس ألا و هو إدماجهم ضمن سلك الوظيفة العمومية. وهم في عمومهم مصرون على انتزاع هذا المطلب مهما غلا الثمن الذي يكلفهم، إذ يعتبرون التوظيف مرادفا للكرامة بل أحيانا مرادفا للحياة، منادين في بعض الشعارات التي يرفعونها: «عاهدنا العائلات إما الشغل وإما الممات»؛ لأنهم في الأصل يعدون أنفسهم كأنهم في عداد الموتى ما داموا لا يمارسون شغلا كريما. وليس هذا موقفا غريبا أو غاليا، فقبلهم جميعا قال العلامة الراغب الأصفهاني:{من تعطل وتبطل انسلخ من الإنسانية بل من الحيوانية وصار من جنس الموتى
تكاد المظاهرات الإحتجاجية تكون منظرا شبه دائم لكل من يمر عبر شارع محمد الخامس بالرباط، شباب معطل عن العمل تتعالى أصواتهم عاليا منافحين عن مطلبهم الذي لا يخفى على أحد، و هو حقهم الإنساني الذي يكفله لهم الدستور، كما في فصله الثالث عشر. و بالرغم من ذلك لا يمكن أن نعتبر هذا الفصل الذي يقر بأن «التربية و الشغل حق للمواطنين على السواء» هو فصل ذو طبيعة طاغطة من شأنه أن يجعـل قضية التشغيل بالمغرب من الأولويات الكبرى في العمل الحكومي و ذلك باعتباره فصلا ضيقا و محدود اللفظ و المعنى بالمقارنة مع باقي الفصول التي تخص الجوانب الدستورية الأخرى و هذا ما يحيلنا إلى استحضار دعوة بعض الأطراف إلي تفعيل مشروع الإصلاح الدستوري. ولكن هذا طبعا لا ينزع عن الحكومة تحملها لمسؤولية خلق فرص شغل جديدة كل سنة للفئات المعطلة، و من ثم تقليص نسبة البطالة والرفع من مستوى النمو السنوي. خاصة مع صدور مرسومين وزاريين سنة 1999 مخولين للحاصلين على شواهد عليا حق الإدماج المباشر في سلك الوظيفة العمومية وهما المرسومان 888/99 و 695/99
لكن الحكومة - وعوض أن تفعل قوانين الدولة ومراسيمها- طفقت تعد بخلق ورصد أعداد خيالية من مناصب الشغل - ذرا للرماد في العيون- جلها في إطار برامج من نسج خيالات مسؤولييها أثبت الواقع فشلها. وهكذا أعلنت حكومة عباس الفاسي- في إطار القطاع الخاص- عن توفير ما يزيد عن 250 ألف فرصة شغل سنويا معتمدة في ذلك عدة مقاربات، أبرزها ما جاء في إطار تعاقد الدولة مع الوكالة الوطنية لإنعاش الشغل أنابيك) انطلاقا من البرنامج الثلاثي الصيغة ( مقاولتي، تأهيل، إدماج) الفاشل في أدائه. ولنأخذ في عجالة برنامج «مقاولتي» فقط على سبيل المثال. فقد جاءت نتيجته عكسية تماما، وهو ما تشير إليه الأرقام والإحصاءات؛ بحيث في الوقت الذي وضعت فيه حكومة إدريس جطو نصب أعينها، عند انطلاق هذا البرنامج في ثاني يوليوز من سنة 2006 إنشاء 30 ألف مقاولة، وخلق 90 ألف منصب شغل بحلول سنة 2008، كشفت الأرقام الرسمية أنه إلى غاية شهر مارس الماضي، قدم ما يفوق الأربعة آلاف من حاملي مشاريع، طلباتهم للحصول على قروض لدى الأبناك، وتمت المصادقة على1734 مشروعا، قبل أن يتم تمويل فقط 1400 منها من طرف الأبناك، و245 بتمويل ذاتي؛ أي إن نسبة 4.6 في المائة فقط مما داعب خيال الحكومة هي التي .تحققت
أما في القطاع العام فقد رصدت الحكومة 12700 منصبا ماليا في خلال موسم سنة2009؛ في وقت لم تصل حصة الأطر العليا للبلاد العشرة بالمائة من الكعكة.
إن واقع عطالة الأطر العليا بالمغرب لمغرق في كل معاني المأساء الإزراء والمهانة للطرفين كليهما. الأطر والدولة على السواء.
أما الأول فإن كرامة نخبة البلاد وصفوتها تصبح عرضة للتنقيص بسبب الحرمان والاعتماد في العيش على الغير من جهة، وبسبب ما يتعرضون له من إذلال و تحقير على أيدي قوى الأمن في شوارع العاصمة. وذلك بتجرأ هؤلاء على جلد حاملي الشهادات العليا بالهراوات وعلى السب والشتم بأحط الألفاظ النابية من جهة ثانية.
أما الطرف الثاني وهي الدولة. فإن سمعتها وصيتها لا تسلم من الخدش وهي تهمش نخبتها، رامية بهم في الشوارع. ومتسببة بسياستها السلبية لفئة عريضة أخرى من الأطر في الهجرة إلى الخارج قصد البحث عن فرص للشغل. كما أن مشهد الضرب والسب والركض وراء الأطر المحتجة بشوارع الرباط وساحاتها- التي أضحت شبيهة بميدان حرب- يشوه صورة البلاد من نواح عدة. فمن ناحية يسيء للواقع الحقوقي بالبلاد المتغنية بشعارات الديقراطية وحقوق الإنسان. ومن ناحية أخرى يشوه واقع السياسة التشغيلية التي تعمد إلى قصر التوظيف على أبناء الأغنياء والوجهاء وأصحاب المال والنفوذ. كما يشوه واقع السياسة التعليمية التي تفرز كل سنة بل كل شهر جيوشا جرارة من المعطلين الذين صارت أخبارهم حديث الخاص والعام، ومواضيع أعمدة الصحف والنشرات الإخبارية في العديد من الأحيان.
لقد حان الوقت للتأمل ولتعميق النظر في إيجاد حل لهذا الواقع المأساوي. ومحاولة البحث عن مخارج لمعضلة عطالة الأطر العليا بالمغرب. وأنا أرى- بحسب اجتهادي البسيط- أن النقاط التالية - كفيلة ولو نسبيا في معالجة و حل هذه المعضلة. وهي كالآتي:
ـ التحلي بالإرادة السياسية وجعل الإنسان المعطل والقضية الاجتماعية وفي صلب اهتمام الدولة بدل الاهتمام بالتوازنات الماكرواقتصادية. فذلك هو الكفيل بإيجاد الحل وتخطي هذه المعضلة. فإن الإرادة السياسية هي العنصر الأساسي أو كما يسميها الفلاسفة في علم المنطق هي "المتغير المستقل" الذي يقود وراءه مجموعة كبيرة من المتغيرات التابعة في جوانب الحياة كافة.
ـ تبني الدولة لسياسة التقشف وترشيد النفقات بالحد من الإسراف في الاستهلاك؛ وتشجيع الادخار، والعمل على رفع معدلات الإنتاج. وكذا تخفيض الأجور الشديدة الارتفاع؛ لأن سياسة التقشف ستجعل ميزانية الاستثمار ترتفع إلى مستوى 30 في المائة. ولتحقيق هذا لا بد من تفاعل القوة السياسية للتنفيذ مع الإرادة السياسية، لأن غيابهما يعني حتما غياب حل ليس للأطرالعليا فقط، وإنما لمستقبل المغرب..
ـ إطلاق وتشجيع المشاريع التنموية الكبرى وحفز الاستثمارات الوطنية والأجنبية خصوصا في القطاعات الاجتماعية، و تسريع وتيرة التنمية الكفيلة بتوفير فرص أكثر لاندماج الكفاءات في الحياة الإنتاجية للبلاد ومحاربة اقتصاد الريع وكافة عوائق التنمية، والتفعيل الجدي للنصوص التشريعية المرتبطة بالعمل.
ـ التخطيط لبرامج جادة ومحكمة ومسؤولة تستهدف مساعدة العديد من الأطر العليا المعطلة على التشغيل الذاتي وخلق مشاريع اقتصادية وذلك بتيسير حصوله على قروض بنكية بشروط تفضيلية ومصاحبته في تلك المشاريع. وإعفائه لمدة طويلة من كافة أشكال الضرائب. ومساندته عند كل أزمة مالية يمر بها مشروع.
ـ إصلاح حقيقي للنظام الضريبي مع تفعيل الزكاة باعتبارها موردا اقتصاديا شرعيا وعقليا هاما.
ـ النهوض بالقطاع الخاص في أفق تحسين شروط الشغل فيه. وذلك بسن وتفعيل قوانين تحمي المستخدمين. وتحصنهم من جشع واستغلال الباطرونا.
ـ الإنصاف والمساواة والشفافية في التوظيف بالإدارات والمؤسسات العمومية تفعيلا لشعار تكافؤ فرص العمل؛ واعتبار مبدأ الكفاءة لا غيرها معيارا ثابتا في الأحقية والأولوية.
ـ إصلاح نظام التعليم وبرنامج التكوين وتغيير النظرة إليه كقطاع غير منتج، بل اعتباره بحق قاطرة للتنمية الشاملة. ومن ثم جعله مواكبا للتطورات العلمية والتقنية التي تظهر ضمنها معارف وخبرات واختصاصات جديدة، ومتلائما مع الواقع الاقتصادي ومتطلبات سوق الشغل، و قادرا على تكوين الكفاءات التي تكون التنمية في حاجة إليها تبعا للتطورات التي عرفتها. وبالتالي رصد ميزانية في مستوى هذه التحديات المواجهة له. ودعم البحث العلمي داخل المقاولات، لتكون قادرة على استيعاب الخبراء في مجال تخصصاتها. ويرتبط كل هذا بتطور في القطاعات التي تشملها التنمية، وفي تنوع الحاجات التي أصبحت التنمية في حاجة إليها. وهذا المشكل مطروح في البلاد المتخلفة، ولكنه موجود أيضا حتى في البلاد النامية مع اختلاف في شروط وجوده وفي الإمكانيات المتاحة لمواجهته. لذلك فإن طرح إعادة النظر في التكوين وشروطه خطوة طبيعية في التنمية المتوازنة.
ـ إصلاح القضاء والنظام الإداري عموما بتبسيط الإجراءات والمساطر ومحاربة البروقراطية، وإعادة هيكلة الإدارة وذلك عن طريق تشبيبها.
ـ تخليق الحياة العامة وتنقيتها من كافة أشكال الفساد والاختلالات التي تعج بها؛ فالإدارة المغربية التي تعتبر المراقب الفعلي للنشاط الاقتصادي تشتكي من كل أنواع الفساد في مقدمتها الاختلاسات المالية والرشوة والزبونية والمحسوبية وهدر المال العام.
هذه بعض الاقتراحات العملية لحل أزمة العطالة النخبوية ببلادنا هي مجرد بذرة في هذا الشأن تحتاج لمن يتعهدها وينميها، والأهم من ذلك من يطبقها ويفعلها بعد النضج والنمو حتى نقضي على هذه الجرثومة الكامنة في وطننا الذي نحلم أن يكون حقا في زمن من الأزمان أحلى وأجمل البلدان.
والناظر في جذور هذه الأزمة يجد أن عوامل عدة أسهمت في رسم معالمها. لكن أهمها على الإطلاق هو ارتهان البلاد للعديد من المؤسسات المالية الدولية، وما نهجته الحكومة في تلك الفترة من سياسة الخوصصة و بيع الممتلكات العمومية من خلال ما يعرف ببرنامج التقويم الهيكلي الذي حوًّل المغرب كدولة نامية تنتمي إلى دول العالم الثالث إلى بلد مستهلك غير منتج وإلى بلد ترسم مساره أيادي الرأسمالية المتوحشة، ما جعل المكتسبات الشعبية الاجتماعية في خبر كان. وبدلا من أن يخرج المغرب من الحصار المضروب عليه من طرف الدول الإمبريالية، ويبدأ بحركة تصنيعية تمكنه من استغلال خيراته الطبيعية من جهة، وتشغيل الأعداد الهائلة من جهة أخرى، استمر في التبعية المطلقة للدول الغربية القوية، الشيء الذي أضاع عليه فرص تنمية اقتصاده، واكتفى ببناء المنشآت الجميلة (المركبات السياحية) والتي كلفته أموالا طائلة دون أن تشغل العدد المطلوب من جحافل المعطلين، وما زال مستمرا في نفس السياسة. ومما يعمق جذور ازمة العطالة في المغرب ارتهانه للتقلبات المناخية والتساقطات المطرية التي تؤثر على نمو الاقتصاد الوطني. ويخشى أن تستمر هذه الظاهرة - إن لم تزدد استفحالا- باستمرار الأزمة الاقتصادية العالمية التي ظهرت منذ العام الماضي ويتوقع المراقبون أن تدوم حوالي العقد من الزمن
وهكذا صار العديد من هؤلاء الأطر ما أن يتخرجوا من الجامعات المغربية ويحصلوا على أعلى الشهادات حتى يقصدوا العاصمة كي « يشتغلوا» في إطار حركات وجمعيات منظمة تمارس ضغطها على الحكومة ومطالبة بإيجاد حلول لعطالتها، بل هو حل واحد ليس ألا و هو إدماجهم ضمن سلك الوظيفة العمومية. وهم في عمومهم مصرون على انتزاع هذا المطلب مهما غلا الثمن الذي يكلفهم، إذ يعتبرون التوظيف مرادفا للكرامة بل أحيانا مرادفا للحياة، منادين في بعض الشعارات التي يرفعونها: «عاهدنا العائلات إما الشغل وإما الممات»؛ لأنهم في الأصل يعدون أنفسهم كأنهم في عداد الموتى ما داموا لا يمارسون شغلا كريما. وليس هذا موقفا غريبا أو غاليا، فقبلهم جميعا قال العلامة الراغب الأصفهاني:{من تعطل وتبطل انسلخ من الإنسانية بل من الحيوانية وصار من جنس الموتى
تكاد المظاهرات الإحتجاجية تكون منظرا شبه دائم لكل من يمر عبر شارع محمد الخامس بالرباط، شباب معطل عن العمل تتعالى أصواتهم عاليا منافحين عن مطلبهم الذي لا يخفى على أحد، و هو حقهم الإنساني الذي يكفله لهم الدستور، كما في فصله الثالث عشر. و بالرغم من ذلك لا يمكن أن نعتبر هذا الفصل الذي يقر بأن «التربية و الشغل حق للمواطنين على السواء» هو فصل ذو طبيعة طاغطة من شأنه أن يجعـل قضية التشغيل بالمغرب من الأولويات الكبرى في العمل الحكومي و ذلك باعتباره فصلا ضيقا و محدود اللفظ و المعنى بالمقارنة مع باقي الفصول التي تخص الجوانب الدستورية الأخرى و هذا ما يحيلنا إلى استحضار دعوة بعض الأطراف إلي تفعيل مشروع الإصلاح الدستوري. ولكن هذا طبعا لا ينزع عن الحكومة تحملها لمسؤولية خلق فرص شغل جديدة كل سنة للفئات المعطلة، و من ثم تقليص نسبة البطالة والرفع من مستوى النمو السنوي. خاصة مع صدور مرسومين وزاريين سنة 1999 مخولين للحاصلين على شواهد عليا حق الإدماج المباشر في سلك الوظيفة العمومية وهما المرسومان 888/99 و 695/99
لكن الحكومة - وعوض أن تفعل قوانين الدولة ومراسيمها- طفقت تعد بخلق ورصد أعداد خيالية من مناصب الشغل - ذرا للرماد في العيون- جلها في إطار برامج من نسج خيالات مسؤولييها أثبت الواقع فشلها. وهكذا أعلنت حكومة عباس الفاسي- في إطار القطاع الخاص- عن توفير ما يزيد عن 250 ألف فرصة شغل سنويا معتمدة في ذلك عدة مقاربات، أبرزها ما جاء في إطار تعاقد الدولة مع الوكالة الوطنية لإنعاش الشغل أنابيك) انطلاقا من البرنامج الثلاثي الصيغة ( مقاولتي، تأهيل، إدماج) الفاشل في أدائه. ولنأخذ في عجالة برنامج «مقاولتي» فقط على سبيل المثال. فقد جاءت نتيجته عكسية تماما، وهو ما تشير إليه الأرقام والإحصاءات؛ بحيث في الوقت الذي وضعت فيه حكومة إدريس جطو نصب أعينها، عند انطلاق هذا البرنامج في ثاني يوليوز من سنة 2006 إنشاء 30 ألف مقاولة، وخلق 90 ألف منصب شغل بحلول سنة 2008، كشفت الأرقام الرسمية أنه إلى غاية شهر مارس الماضي، قدم ما يفوق الأربعة آلاف من حاملي مشاريع، طلباتهم للحصول على قروض لدى الأبناك، وتمت المصادقة على1734 مشروعا، قبل أن يتم تمويل فقط 1400 منها من طرف الأبناك، و245 بتمويل ذاتي؛ أي إن نسبة 4.6 في المائة فقط مما داعب خيال الحكومة هي التي .تحققت
أما في القطاع العام فقد رصدت الحكومة 12700 منصبا ماليا في خلال موسم سنة2009؛ في وقت لم تصل حصة الأطر العليا للبلاد العشرة بالمائة من الكعكة.
إن واقع عطالة الأطر العليا بالمغرب لمغرق في كل معاني المأساء الإزراء والمهانة للطرفين كليهما. الأطر والدولة على السواء.
أما الأول فإن كرامة نخبة البلاد وصفوتها تصبح عرضة للتنقيص بسبب الحرمان والاعتماد في العيش على الغير من جهة، وبسبب ما يتعرضون له من إذلال و تحقير على أيدي قوى الأمن في شوارع العاصمة. وذلك بتجرأ هؤلاء على جلد حاملي الشهادات العليا بالهراوات وعلى السب والشتم بأحط الألفاظ النابية من جهة ثانية.
أما الطرف الثاني وهي الدولة. فإن سمعتها وصيتها لا تسلم من الخدش وهي تهمش نخبتها، رامية بهم في الشوارع. ومتسببة بسياستها السلبية لفئة عريضة أخرى من الأطر في الهجرة إلى الخارج قصد البحث عن فرص للشغل. كما أن مشهد الضرب والسب والركض وراء الأطر المحتجة بشوارع الرباط وساحاتها- التي أضحت شبيهة بميدان حرب- يشوه صورة البلاد من نواح عدة. فمن ناحية يسيء للواقع الحقوقي بالبلاد المتغنية بشعارات الديقراطية وحقوق الإنسان. ومن ناحية أخرى يشوه واقع السياسة التشغيلية التي تعمد إلى قصر التوظيف على أبناء الأغنياء والوجهاء وأصحاب المال والنفوذ. كما يشوه واقع السياسة التعليمية التي تفرز كل سنة بل كل شهر جيوشا جرارة من المعطلين الذين صارت أخبارهم حديث الخاص والعام، ومواضيع أعمدة الصحف والنشرات الإخبارية في العديد من الأحيان.
لقد حان الوقت للتأمل ولتعميق النظر في إيجاد حل لهذا الواقع المأساوي. ومحاولة البحث عن مخارج لمعضلة عطالة الأطر العليا بالمغرب. وأنا أرى- بحسب اجتهادي البسيط- أن النقاط التالية - كفيلة ولو نسبيا في معالجة و حل هذه المعضلة. وهي كالآتي:
ـ التحلي بالإرادة السياسية وجعل الإنسان المعطل والقضية الاجتماعية وفي صلب اهتمام الدولة بدل الاهتمام بالتوازنات الماكرواقتصادية. فذلك هو الكفيل بإيجاد الحل وتخطي هذه المعضلة. فإن الإرادة السياسية هي العنصر الأساسي أو كما يسميها الفلاسفة في علم المنطق هي "المتغير المستقل" الذي يقود وراءه مجموعة كبيرة من المتغيرات التابعة في جوانب الحياة كافة.
ـ تبني الدولة لسياسة التقشف وترشيد النفقات بالحد من الإسراف في الاستهلاك؛ وتشجيع الادخار، والعمل على رفع معدلات الإنتاج. وكذا تخفيض الأجور الشديدة الارتفاع؛ لأن سياسة التقشف ستجعل ميزانية الاستثمار ترتفع إلى مستوى 30 في المائة. ولتحقيق هذا لا بد من تفاعل القوة السياسية للتنفيذ مع الإرادة السياسية، لأن غيابهما يعني حتما غياب حل ليس للأطرالعليا فقط، وإنما لمستقبل المغرب..
ـ إطلاق وتشجيع المشاريع التنموية الكبرى وحفز الاستثمارات الوطنية والأجنبية خصوصا في القطاعات الاجتماعية، و تسريع وتيرة التنمية الكفيلة بتوفير فرص أكثر لاندماج الكفاءات في الحياة الإنتاجية للبلاد ومحاربة اقتصاد الريع وكافة عوائق التنمية، والتفعيل الجدي للنصوص التشريعية المرتبطة بالعمل.
ـ التخطيط لبرامج جادة ومحكمة ومسؤولة تستهدف مساعدة العديد من الأطر العليا المعطلة على التشغيل الذاتي وخلق مشاريع اقتصادية وذلك بتيسير حصوله على قروض بنكية بشروط تفضيلية ومصاحبته في تلك المشاريع. وإعفائه لمدة طويلة من كافة أشكال الضرائب. ومساندته عند كل أزمة مالية يمر بها مشروع.
ـ إصلاح حقيقي للنظام الضريبي مع تفعيل الزكاة باعتبارها موردا اقتصاديا شرعيا وعقليا هاما.
ـ النهوض بالقطاع الخاص في أفق تحسين شروط الشغل فيه. وذلك بسن وتفعيل قوانين تحمي المستخدمين. وتحصنهم من جشع واستغلال الباطرونا.
ـ الإنصاف والمساواة والشفافية في التوظيف بالإدارات والمؤسسات العمومية تفعيلا لشعار تكافؤ فرص العمل؛ واعتبار مبدأ الكفاءة لا غيرها معيارا ثابتا في الأحقية والأولوية.
ـ إصلاح نظام التعليم وبرنامج التكوين وتغيير النظرة إليه كقطاع غير منتج، بل اعتباره بحق قاطرة للتنمية الشاملة. ومن ثم جعله مواكبا للتطورات العلمية والتقنية التي تظهر ضمنها معارف وخبرات واختصاصات جديدة، ومتلائما مع الواقع الاقتصادي ومتطلبات سوق الشغل، و قادرا على تكوين الكفاءات التي تكون التنمية في حاجة إليها تبعا للتطورات التي عرفتها. وبالتالي رصد ميزانية في مستوى هذه التحديات المواجهة له. ودعم البحث العلمي داخل المقاولات، لتكون قادرة على استيعاب الخبراء في مجال تخصصاتها. ويرتبط كل هذا بتطور في القطاعات التي تشملها التنمية، وفي تنوع الحاجات التي أصبحت التنمية في حاجة إليها. وهذا المشكل مطروح في البلاد المتخلفة، ولكنه موجود أيضا حتى في البلاد النامية مع اختلاف في شروط وجوده وفي الإمكانيات المتاحة لمواجهته. لذلك فإن طرح إعادة النظر في التكوين وشروطه خطوة طبيعية في التنمية المتوازنة.
ـ إصلاح القضاء والنظام الإداري عموما بتبسيط الإجراءات والمساطر ومحاربة البروقراطية، وإعادة هيكلة الإدارة وذلك عن طريق تشبيبها.
ـ تخليق الحياة العامة وتنقيتها من كافة أشكال الفساد والاختلالات التي تعج بها؛ فالإدارة المغربية التي تعتبر المراقب الفعلي للنشاط الاقتصادي تشتكي من كل أنواع الفساد في مقدمتها الاختلاسات المالية والرشوة والزبونية والمحسوبية وهدر المال العام.
هذه بعض الاقتراحات العملية لحل أزمة العطالة النخبوية ببلادنا هي مجرد بذرة في هذا الشأن تحتاج لمن يتعهدها وينميها، والأهم من ذلك من يطبقها ويفعلها بعد النضج والنمو حتى نقضي على هذه الجرثومة الكامنة في وطننا الذي نحلم أن يكون حقا في زمن من الأزمان أحلى وأجمل البلدان.


11 comments:
thnxxx
thanks for this blog
and i'll take a copy for me please
مجموعة البورصة المصرية
منتديات البورصة المصرية
http://www.borsaegypt.com
http://www.borsaegypt.com/forumdisplay.php?f=7
Hi All
I invite you to visit my blog
http://strange-triangle.blogspot.com
http://m-m-f-y-w.blogspot.com
http://natshehy-barca.blogspot.com
http://m-m-w-a.blogspot.com/
مدونة الربح , مدونة ربحية مميزة , مدونة ارباح , Earn from your site , مدونة جوجل ادسنس , شركات ربحية , Blog Profit , مدونة شاملة للربح , اربح دولارات من الانترنت , اربح مع جوجل ادسنس , google adsense , مدونة الشركات الربحية , اكسب دولارات من الانترنت , profit blog مدونة الربح , مدونة جوجل ادسنس
مدونة الشلة , شات الشلة , مدونة بنات كول , a blog to make money from the internet, Forex Blog,Blog earnings, Earn money from your blog , مدونة الشلة , مدونة الربح من الانترنت ,مدونة جوجل ادسنس , مدونة الربح
It was such a pleasure reading it. I have bookmarked it and I will show it to my friend, she is ahuge fan of this subject.
UK Education Consultants
شكراً لكم ع الموضوعات المتنوعة ...
موفقين لما فيه الخير للبلاد
عنوان مميز
الله يهدى الاحوال .. ويصلح حال بلدكم
شكراً لكم ع الموضوعات المتنوعة ... موفقين :)
الله معكم .. اتمنى عرض الجديد بأستمرار
Post a Comment